أبو العباس الغبريني
25
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
رضي اللّه عنه ، انه قرأ حتى انتهى إلى سورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ « 1 » ، فظهرت له معالم العلى ، وتحلّى من مواهب اللّه بأحسن الحلى ، فكانت تلك السورة سدرة منتهاه ، وغاية مرماه . أخبرني بعض المشيخة رضي اللّه عنهم ، ان الشيخين القاضيين ، أبا عليّ المسيلي « 2 » وأبا محمد عبد الحق الإشبيلي « 3 » رضي اللّه عنهما ، سمعا عنه انه يأتي من العلم بفنون ، وانه اطلع من أمر اللّه على سره المكنون ، مع أنه لم ينته بالقراءة إلّا إلى السورة المذكورة فكانا يتعجبان ، ويكادان يحيلان ما عنه يسمعان ، فاتفق رأيهما على الاجتماع معه ، والاطلاع على ما عنده ، فسار إليه إلى أحد مسجديه الذين كان يجلس فيهما مع بعض خواص أصحابه ، فدخلا فألفياه يفيض في أمور ، ويستخرج الدرر من قيعان البحور ، فجلسا إلى أن فرغ من كلامه ، ورجع إلى ما يخصّه من مرامه ، فسلّما عليه وسلم عليهما ولم يكن لهما رؤية قبل « 4 » فقال لهما أمّا هذا فالفقيه أبو محمد عبد الحق ، وأما هذا فالفقيه أبو علي المسيلي ، فقالا نعم ، وكان هذا من جملة كراماته ، وإن صحّ ان يقال في هذا انه مما تقرر عنده من رسم الصفة ، فأحقّ أن ينسب ذلك إلى طريق الكرامة ، فسألاه حيث انتهى بدراسته ، وعن مبلغ قراءته ، وذكرا له انهما سمعا عنه انه انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك ، وانه لم يزد عليها ، فأجابهما رضي اللّه عنه وقال لهما نعم كانت سورتي ، فوجدتها سدرتي ، ولو تعديتها لأحرقتني « 5 » سبحات الوجه الكريم ، ثم التفت إليهما مخاطبا بنزعة صوفية مشيرا عن يمينه ويساره وهو يقول « بي قل وعلي دل فأنا الكل » فانفصلا عنه وقد تأكد العلم
--> ( 1 ) سورة الملك ، وآياتها 30 نزلت بعد الطور . ( 2 ) انظر ترجمته رقم 2 ( 3 ) انظر ترجمته رقم 3 ( 4 ) في « انس الفقير » و « ما اجتمعا به قط ولا رآهما » . ( 5 ) في « انس الفقير » « نعم كانت سورتي ولو تعديتها لاحترقت »